الشيخ الأنصاري
85
مطارح الأنظار
الإمكان الذاتي مع قطع النظر عن وقوعه في الوجود فلا يفرق ذلك بين ما يؤخذ بشرط الوصف أو في حال الوصف ضرورة اجتماع الإمكان الذاتي مع الامتناع العرضي وإن أريد به الإمكان بمعنى وقوعه في الخارج ووجوده فيه فالضرورة قاضية بامتناع الوجود حال العدم وإنما الفرق إنما هو بالنسبة إلى الآن الثاني من زمان الامتناع وذلك ظاهر في الغاية وأما الجواب عن الثاني فيتوقف على تحقيق القول فيما تداول بينهم من أن الممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيار فقيل بالمنافاة مطلقا وقيل بها فيما إذا لم يكن الاختيار باقيا كما في تكليف الكفار وقيل بالتفصيل بين الخطاب فقال بها والعقاب فقال بعدمها والتحقيق أن يقال هذه القضية إنما اشتهرت بين العدلية كقضية أخرى قائلة بأن الإيجاب بالاختيار لا ينافي الاختيار وهاتان القضيتان إنما هما مسوقتان في كلامهم في قبال الأشعري القائل بأن بعد وجود العلة التامة لأحد طرفي الممكن لا يعقل القول ببقاء الاختيار لامتناع التخلف ومن هنا التجأ بعض الأخبارية من أصحابنا إلى جواز التخلف وعند عدمها يمتنع وجود الفعل ببطلان الأولوية الذاتية فإن الشيء ما لم يجب لم يوجد وما لم ينسد جميع أنحاء وجوده ولم يمتنع لم يعدم والمقصود منها هو أن الامتناع الحاصل بسبب اختيار الفاعل أحد طرفي الفعل الممكن صدوره وعدمه منه لا ينافي كون الفعل اختياريا للمكلف والفاعل فيعاقب عليه أو يثاب لأجله ومن هنا ترميم يعقبونه بقولهم بل يؤكده فإن التأكيد إنما هو بواسطة أن الامتناع أنما هو بواسطة اختيار المكلف صدور الفعل ولا مدخل لذلك فيما نحن بصدده وتوضيحه أنّ هناك مطلبين أحدهما أن الفعل الاختياري هل يخرج عن كونه اختياريا بواسطة عروض الامتناع له حين اختيار الفاعل أحد طرفي الفعل أو لا والثاني أن بعد عروض الامتناع له ولو بواسطة الاختيار هل يصح التكليف بذلك الفعل الممتنع أو لا والقضية المذكورة إنما هي مسوقة في المقام الأول ولا مدخل لها بالمقام الثاني كيف وقضية القواعد العدلية فسادها في الثانية مع أنها موروثة عن الأساطين بل وعليه أساس أصول الدين وبالجملة أدلة امتناع التكليف بالمحال قائمة فيها من لزوم السفه على الآمر بل عدم تأتي الطلب مع العلم بامتناع المأمور به تقبيح العقلاء لمن طلب أمرا ممتنعا من غير انتظاراتهم لأن يستعلم بأن الامتناع أنما نشأ من الأمور أو من غيره ولو أريد استكشاف ذلك لكان المستكشف ملحقا بأصحاب السوداء ويكون كلامه من مقالة أرباب الجنون فإنه فنون لا يقال إن الدليل على اعتبار الإمكان في المأمور به ليس إلا أن يكون الفعل متعلقا لقدرة المكلف والمفروض أن القدرة باقية بعد الاختيار إذ لولاه لزم خروج الفعل بعد صدوره عن مقدرة المكلف لأنا نقول ذلك كلام خال عن التحصيل جدّا فإن الدليل على اعتبار القدرة في الفعل المأمور به هو العقل وهو قاض باعتبار صفة في الفعل على وجه يمكن أن يكون ذلك متعلقا لاختيار المكلف أحد طرفيه بالفعل وهذا هو المراد بالقدرة ولو سلم أن بعد الاختيار لا يخرج الفعل على المقدورية كما هو المذكور في الاعتراض فلعله بواسطة أن المراد بها ليس ما ذكرنا وإلا فعلى ما عرفت المراد منها كيف يعقل القول ببقاء القدرة بعد الاختيار وعروض الامتناع ولو بواسطة الاختيار ومن هنا ينقدح لك أن القولين الآخرين في المسألة مما لا مساق لهما أما الأول فلأنه مبني على اشتباه نبهناه عليه في الجواب عن الاعتراض الأول وأما الثاني فلأن العقاب على فعل غير مقدور مما لا يستحسنه العقلاء نعم لو أريد بالعقاب هو العقاب بواسطة تفويته التكليف وتسبيبه لعروض الامتناع لم يكن بعيدا عن الصواب فالذي يتأتى على مذهب العدلية هو القول الأول ولا وجه للمنع عن بطلان التالي في الاستدلال المذكور كما هو ظاهر وأما الجواب عما تكلفه المحقق المزبور ففي غاية الظهور إذ على ما زعمه لا فرق بين التكليف بالأمور المستحيلة الذاتية وبين المطالب الممتنعة بالعرض فإن بيان المصالح المودعة في الأشياء لا يختص بالأمور الممكنة لا يقال ذلك بواسطة إمكان صدورها عن المكلفين لأنا نقول وهذا هو الوجه في امتناع التكليف في الممتنعات الفرضية أيضا لعدم إمكان صدورها عنهم على أن الضرورة تشهد بأن أوامر اللَّه تعالى ليست من قبيل أوامر الطبيب على وجه تكون خالية عن المولوية بل التحقيق أنها من قبيل أوامر المولى الطبيب بالعبد المريض ولا يعقل إنكار الطلب رأسا في الأوامر الشرعية ولعل الذي دعاه إلى ذلك هي الشبهة المعروفة في تصحيح تكليف الكفار والعصاة حيث إنه بعد العلم بعدم وقوع المكلف به في الخارج لا وجه للتكليف والطلب وقد تعرض أصحابنا لدفعها في الكتب الكلامية بما لا نزيد عليها والتحقيق في الجواب أن يقال إن أراد المستدل من بقاء التكليف حال ترك المقدمة كون الفعل بحيث ينتزع منه وصف الوجوب وإن لم يكن موردا للطلب الفعلي على وجه يستلزم تركه العقاب حال عدم المقدمة فهذا ضروري الوجود فنحن نختار بقاء التكليف ولا يلزم محذور إذ المرجع فيما ذكرنا إلى أن وجوب الفعل الموقوف على المقدمة مما لا يختلف بالنسبة إلى وجود المقدمة المتروكة وعدمها وليس ذلك من التكليف بالممتنع بل هو تكليف بأمر مقدور عرضه الامتناع فكما أن هذه الصفة تنتزع من الفعل حال الإتيان بالمقدمة بل ونفس الفعل فكذا ينتزع منه حال عدمها ولعله إلى ذلك يشير عبارة المعالم من قوله بعد القطع ببقاء الوجوب المقدور كيف يكون ممتنعا وإن أراد أن الطلب الفعلي موجود حال عدم المقدمة نحو وجوده قبل زمان العدم عند الاقتدار عليه فنحن نختار عدم البقاء نظرا إلى امتناع صدور هذا النحو من التكليف على ما عرفت في الجواب عن الاعتراض السابق ولكن نمنع لزوم اللازم فإن ذلك يلزم لو قلنا بأن عدم المقدمة يكشف عن عدم كون ذيها مطلوبا عند العدم فيكون الواجب مشروطا أو قلنا بانخلاعه عن وصف الوجوب مطلقا ونحن في [ سعة ] من ذلك فنقول بوجوبه على الإطلاق